فصل: مسألة كراء الأفنية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة كراء الأفنية:

في كراء الأفنية وسئل مالك: عن الأفنية التي تكون في الطريق يكريها أهلها، أترى ذلك لهم وهي طريق المسلمين؟
قال: إذا كان فناء ضيقا إذا وضع فيه شيء أضر ذلك بالمسلمين في طريقهم فلا أرى أن يمكن أحد من الانتفاع به وأن يمنعوا، وأما كل فناء إن انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين في طريقهم شيئا لسعته لم أر بذلك بأسا، قال: وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا ضرر ولا ضرار»، فإذا وضع في طريق المسلمين ما يضيق عليهم به فقد أضر بهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن لأرباب الأفنية أن يكروها ممن يضع فيها ما لا يضيق به في الطريق على المارة فيه، لأنه إذا كان لهم أن ينتفعوا بها على هذه الصفة وكانوا أحق بذلك من غيرهم كان لهم أن يكروها؛ لأن ما كان للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا.
وإنما الذي لا يباح لصاحب الفناء أن يقتطعه ويدخله في داره، فإن فعل وكان ذلك يضر بالطريق هدم عليه وأعيد إلى حاله.
واختلف إن كان لا يضر، فقيل: إنه يهدم عليه أيضا، وهو قول أشهب وابن وهب في سماع زونان من كتاب السلطان، وقيل: إنه لا يهدم عليه، وهو قول أصبغ وروايته عن أشهب في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ من الكتاب المذكور، وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من الكتاب المذكور لتكرر المسألة هناك، وبالله التوفيق.

.مسألة أول طعام أهل الجنة:

في أول طعام أهل الجنة قال: وسمعت مالكا يحدث أنه يقال: أول ما ينزله أهل الجنة بلام ونون، قال: يلبث الثور نافشا في الجنة يأكل من ثمرة الجنة، فإذا أضحى ذكاه الحوت بذنبه فأكلوا منه، ويظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من ثمار الجنة، فإذا أمسى نهره الثور بقرنه فأكلوا من لحمه.
قال محمد بن رشد: البلام الثور، والنون الحوت، قال الله عز وجل: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87]، وقال في موضع آخر: {كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48]، فبان أن النون هو الحوت، والمعنى في هذا الحديث إن صح: أن الله يعيد الثور بعد أن ذكاه الحوت فأكلوا منه حيا كما كان، فينهر الحوت بقرنه فيأكلوا منه، ويحتمل أن يكون النون الذي ينهر الحوت غير الذي ذكاه الحوت فأكلوا منه، لا ذلك الثور بعينه؛ لأن الألف واللام في قوله يلبث الثور قد تكون للعهد وقد تكون للجنس، والنفش الرعي بالليل، قال الله عز وجل: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: 78] والجنة لا ظلام فيها ولا ليل ولا ضحى ولا مسى، روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الجنة بيضاء تتلألأ، وأهلها بيض، لا ينام أهلها وليس فيها شمس ولا ليل مظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم». وروي عن عبد الله بن أبي أوفى: «أن رجلا قال: يا رسول الله أفي الجنة ليل؟ فقال: ليس في الجنة ظلمة، إن الليل ظلمة، إن شجرها نور وأنوارها نور وثمرتها نور وخدمها نور».
فقوله يلبث في الجنة الثور نافشا في الجنة أي: آكلا من ثمرها مقدار ليل الدنيا.
وقوله فإذا أضحى ذكاه الحوت بذنبه فأكلوا منه، فإذا أمسى نهره الثور بقرنه فأكلوا منه- مثل قول الله عز وجل في كتابه العزيز: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62]، يريد: أنهم يؤتون به على قدر ما كانوا يشتهونه في الدنيا الغداء والعشاء، وقيل: إنه إذا مضى مقدار ثلاث ساعات من اثنتي عشرة ساعة من ساعات الدنيا التي هي مقدار النهار فيها أتوا بغدائهم، وإذا بقيت ثلاث ساعات أتوا بعشائهم، فيكون على هذا بين الأكل والأكل مقدار ست ساعات من ساعات الدنيا، ويروى: أنه يغدى على أدنى منزلة في الجنة كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى، يأكل منها من آخرها كما يأكل من أولها، ويراح عليه بمثلها، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما روي عنه حاكيا عن ربه عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين نظرت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، وبالله التوفيق.

.مسألة فساد الناس وقلة زعتهم:

ومن كتاب البز في فساد الناس وقلة زعتهم:
قال مالك: وذكر فساد الناس وقلة زعتهم، وقال: لقد قال ذلك الرجل: لقد رأيتنا في الجاهلية وكأنا في ملك ضابط، يريد بذلك كف بعضهم عن بعض وأحلامهم فيما بينهم، وذكر عنه، قال ابن القاسم: إنه الزبير بن العوام.
قال محمد بن رشد: وإذا كان مالك رَحِمَهُ اللَّهُ قد أشفق في زمنه لما رأى من فساد الناس وقلة زعتهم. فناهيك من زمننا هذا الوادركه، وقد قال عبد الله بن مسعود: ما من عام إلا والذي بعده شر منه، يريد في فساد الناس وقلة زعتهم وكثرة الشر فيهم، وبالله التوفيق.

.مسألة معنى الحكمة والعقل:

في الحكمة والعقل قال: وسمعت مالكا يقول: وسمعت زيد بن أسلم يقول: {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]، إن الحكمة العقل، قال مالك: والذي يقع بقلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا بصر، وتجد آخر ضعيفا في دنياه عالما في أمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرم هذا، فهذه الحكمة، الفقه في دين الله.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك أظهر؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل على التفسير لقول الله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، وقد قيل: معنى حكما وعلما فهما وعقلا، وقيل: معناه: فهما وعلما، فيأتي في تأويل الحكم في هذه الآية ثلاثة أقوال، قيل: الفقه، وقيل: الفهم، وقيل: العقل، وفي رسم شك في طوافه بعد هذا أن الحكمة في قوله عز وجل:
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] التفكير في أمر الله والاتباع. والتفكير في أمر الله لا يكون إلا بالعقل والفهم، والتأويلات كلها قريبة بعضها من بعض في المعنى؛ لأن الفقه لا يكون إلا بالفهم، والفهم لا يكون إلا بالعقل، وفي قوله عز وجل: {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] مع اختلافهما فيما حكما به يدل على أن كل مجتهد مصيب، وللقول في هذا مكان غير هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة تمني عمر بن عبد العزيز الموت:

في تمني عمر بن عبد العزيز الموت قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي توفي فيه أنه حبا حتى توضأ، ثم أتى المسجد فركع ثم ذكر موت سهل أخيه وعبد المالك ابنه ومزاحم مولاه، فقال: ما ازددت إلا حبا، وما ازددت فيما عندك إلا رغبة، قال ابن القاسم: ولا أعلمه إلا قال: فاقبضني إليك.
قال محمد بن رشد: في تمني عمر رغبة فيما عند الله وحبا في لقاء الله- دليل على ما له عند الله، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال الله تبارك وتعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه»، ومن أحب الله لقاءه فهو من أهل الجنة؛ لأن معنى محبة الله لقاءه إرادته لتنعيمه، وبالله التوفيق.

.مسألة حشف التمر:

في حشف التمر لعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: وسمعت مالكا في حديث عمر بن الخطاب في الصاع من التمر، قال: يحشف له، قال: يريد يقشر له، فقيل له: تفسير يحشف؟ قال: ينزع له قشره والحشف.
قال محمد بن رشد: هذه الحكاية عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تدل على أنه ينتقى له التمر فيأكل طيبه، وذلك جائز لا بأس به بإجماع من العلماء، قال الله عز وجل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وهي خلاف لما ذكره مالك في موطئه عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين يطرح له صاع من تمر فيأكله حتى يأكل حشفه. وهذا يدل على أنه كان يقتصر في أكله على التمر، وأنه كان لا يأكل حتى يجوع، وأنه كان لا ينقى له من حشفه فيأكله بحشفه، لأنه كان مخشوشنا في طعامه لا ينتقيه، والحشف الرديء من التمر المسوس من اليابس، وللعرب مثل تضربه فيمن باع شيئا رديا وكال كيل سوء، قالت: أحشفا وسوء كيله بكسر الكاف. وقد روى عن حفصة بنت عمر، قالت لعمر: يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوبا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاما هو أطيب من طعامك فقد وسع الله من الرزق وأكثر من الخير، قال: إني سأخاصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان يلقى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شدة العيش؟ فما زال يذكرها حتى أبكاها، ثم قال: والله لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما لعلي أدرك معهما الرخاء. وسيأتي في رسم طلق بن حبيب أنه كان يحشف له الصاع من التمر فيأكله كله، فقيل له: ما يحشف؟ قال: يأكله بحشفه، والمعنى في ذلك، والله أعلم: أنه كان يحشف له فيكره ذلك من فاعله لما كان عليه من الخشونة في مطعمه وملبسه، ويأكله بحشفه، وهو نحو ما في الموطأ، وبالله التوفيق.

.مسألة يضعف عن حمل العلم على وجهه:

في الذي يضعف عن حمل العلم على وجهه قال مالك: كنت أسمع ربيعة بن عبد الرحمن يقول: إن الرجل لتجده صالحا صائما مصليا رجل صدق وعابدا، وآخر ضعيفا ليس فيه محمل لهذه الأشياء، ويضعف عن العلم أن يحمله ويخاف أن يحمله على غير وجهه، فهو عندي خير من هذا الذي حمل الفقه، قال: ورأيت مالكا يعجبه قول ربيعة ويقول: صدق، يسمع الشيء فيضعف عن وجه حمله فيفتي به الناس ويحملهم عليه وقد أخطأ في ذلك؟ وقال: مثل فلان.
قال محمد بن رشد: ما قاله ربيعة واستحسنه مالك صحيح؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من القلوب، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، فمن نظر في العلم وضعف عن حمله على وجهه وأفتى الناس بتأويله إياه على غير وجهه يخشى ألا يقوم ما عليه من الوزر في ذلك بما له من الأجر والثواب في صلاته وصيامه وعبادته، وبالله التوفيق.

.مسألة سن عمر بن عبد العزيز:

17-
في سن عمر بن عبد العزيز وسئل مالك: كم أتى على عمر بن عبد العزيز من السنين؟ قال: اثنان وأربعون سنة.
قال محمد بن رشد: من مات في هذا السن فلم يبلغ سن الشيخ وهو يعد في حد الشباب والكهولة بدليل ما روى عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «دخلت الجنة فإذا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لشاب من قريش فظننت أني هو، فقلت: من هو؟ فقالوا: عمر بن الخطاب، فيا أبا حفص لولا ما أعلم من غيرتك لدخلته، فقال عمر: من كنت أغار عليه يا رسول الله فإني لم أكن أغار عليك». وما روى عنه من أنه قال في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والأخيرين إلا النبيين والمرسلين». وروى ذلك عنه علي بن أبي طالب، وأنه قال: «ولا تخبرهما بذلك يا علي،» فكل كهل شاب وليس كل شاب كهلا؛ لأن الرجل يولد طفلا فيقع عليه اسم الطفولة ما لم يحتلم، فإذا احتلم كان شابا ما لم يبلغ الأشد، وقيل فيه: إنه خمس وثلاثون سنة فإذا بلغ خمسا وثلاثين سنة فهو شاب إلى أن يبلغ حد الشيخوخة، فعمر بن عبد العزيز إمام عدل شاب نشأ في عبادة الله، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله...» الحديث، فجمع الله لعمر هاتين الفضيلتين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وبالله التوفيق.

.مسألة فضل الفتيان:

في الفتيان قال مالك: كان محمد بن كعب القرظي إذا ذكر الفتيان، قال: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60] وقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] ويذكر فضلهم.
قال محمد بن رشد: الفتيان هم الشبان فإذا نشأ الشاب في عبادة الله فهو في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على ما جاء في الحديث، وبالله التوفيق.

.مسألة الركوب بصفة الأرجوان:

في الركوب بصفة الأرجوان وسئل مالك: عن الركوب بصفة الأرجوان.
قال: ما أعلم بأسا، وغيره أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: الأرجوان أظنه الخز الأحمر، ويحتمل أن يكون الصوف الأحمر، فإن كان الخز الأحمر فإنما سئل عنه والله أعلم لما روي عن «علي بن أبي طالب أنه أتي ببغلة عليها سرج خز، فقال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الخز وعن ركوب عليه وعن جلوس عليه». فلم ير به مالك بأسا؛ لأنه لم يعرف النهي عن ذلك، والله أعلم، ورأى غيره أحب إليه منه لما فيه من الحرير؛ لأنه يكره لباس الخز لما فيه من الحرير، والركوب عليه إذا جعلت صفة السرج منه، يشبه اللباس له.
وإن كان الأرجوان هو الصوف الأحمر فإنما رأى غيره أحب إليه منه والله أعلم لما في ذلك من التشبه بالعجم، ألا ترى أنه قد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الميثرة» وهي جلود السباع. «وعن معاوية: أنه دعا نفرا من الأنصار في الكعبة فقال: أنشدكم بالله عز وجل، ألم تسمعوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن صفف النمور؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد» وعن المقدام بن معدي كرب أن «رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الركوب على جلود السبع» ولا وجه للنهي عن ذلك إلا التشبه بالعجم؛ إذ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر، وذكاة كل أديم دباغه»، وروي عن أبي أيوب الأنصاري: أنه أتي بدابة بسرج نمور فنزع الصفة، فقيل: الجديتان نمور، فقال: إنما ينهى عن الصفة، يريد لاستعمال العجم إياها كما ذكرناه.
وقد أباح ذلك جماعة من التابعين من أجل أن النهي في ذلك إنما هو لهذه العلة لا نهي تحريم، فروى أن عروة بن الزبير كان له سرج نمور , وروي ذلك عن الحسن البصري وابن سيرين، ولهذه العلة فرق في حديث علي الذي ذكرناه عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في الخز بين لباسه والركوب عليه والجلوس عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة الوضيعة على من باع تمر حائطه:

في أن الوضيعة لا تجب على من باع تمر حائطه إذا لم تصبه جائحة قال مالك: باع عبد الله بن عمر حائطا له واشترط على الذي باعه شروطا، واستثنى عليه فيه شيئا، وكان فيما اشترط عليه ألا يخرج منه أشياء إلا بعلمه فعمل فيه الرجل ثم تبين له فيه وضيعة، فجاءه يستوضعه، فأبى، فسأله الإقالة فأبى، فذهب الرجل.
فقال له أبو الرجال: إن أمي عمرة حدثتني «أن رجلا ابتاع حائطا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعمل فيه فتبين له الوضيعة، فجاءه فسأله الوضيعة، فتألى ألا يفعل، فجاءت أم المشتري إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته، وقالت: يا رسول الله، ما أصبنا منه إلا تمرة أو رطبة رفعها أحدنا إلى فيه أو شيئا استطعمناه مسكينا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تألى ألا يفعل خيرا؟ فسمع بذلك البائع فأتى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله هو له» فلا أدري الوضيعة أم الإقالة رد إليه الثمن.
قال محمد بن رشد: قوله فقال أبو الرجال، يريد فقال لمالك أبو الرجال؛ لأنه حديث مالك عن أبي الرجال أدخله في موطئه في باب الجائحة في بيع الثمار والزروع ليبين أن الوضيعة إذا دخلت على المشتري من غير جائحة جرت عليه في الثمن لا رجوع له على البائع؛ لأن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ إنما ندب البائع إلى الوضع ولم يوجب ذلك عليه.
ولا اختلاف في أن ذلك لا يجب عليه، ولذلك أبى عبد الله بن عمر أن يقيل الذي باع منه ثمر حائطه أو يضع عنه، وأما إذا جرت على الثمر جائحة قبل تناهي طيبها وإمكان جذاذها فمذهبه وجوب وضع الجائحة إذا بلغت الثلث فأكثر، لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بوضع الجوائح بهذا بحديثه هذا، وقال: أدخله في موطئه في باب وضع الجائحة، وليس فيه الأمر بالوضع، وإنما فيه الندب إلى ذلك، ولم يدخله مالك فيه إلا ليبين أن الوضيعة إذا دخلت على المشتري بغلة الإصداق أو انحطاط الأسواق فلا حجة له بذلك على البائع، بخلاف إذا أجيحت الثمرة، وبالله التوفيق.

.مسألة فضائل عمر بن عبد العزيز:

في ما يحكى من فضائل عمر بن عبد العزيز قال مالك: قال ابن حبان، وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على المدينة: ما جاءني رسول لعمر بن عبد العزيز إلا بخبر خير، قال مالك: بلغني أنه قال لعمر بن عبد العزيز: أوص، فقال: ما لي من مال أوصي فيه صغار ولدي إلى كبارهم.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا إلا ما هو معلوم من فضائل عمر بن عبد العزيز، وبالله التوفيق.

.مسألة تعظيم الخطيئة في الحرم:

في تعظيم الخطيئة في الحرم قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان إذا قدم مكة لم يضطرب بناه إلا خارجا من الحرم، فقلت لمالك: لم كان يفعل ذلك؟ قال: يريد إعظام الخطيئة في الحرم.
قال محمد بن رشد: تأويل مالك على عمرو بن العاص صحيح بين؛ لأن من تعظيم الحرم أن لا يعصى الله فيه، قال الله عز وجل: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30]، وقال: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أعمل عشر خطايا بركبة أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة، والمعنى في ذلك بأن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف فيها الحسنات، وقد رأى بعض العلماء تغليظ الدية في الجراح والنفس في البلد الحرام والشهر الحرام لهذا المعنى، وبالله التوفيق.

.مسألة الإشارة بالرجل للعمل:

في الإشارة بالرجل للعمل قيل لمالك: فإن فلانا لا يعمل وهو يشير بمن يعمل.
قال: إن كان يشير برجل مأمون لا بأس بحاله فلا بأس بذلك، فقيل له: أفيطلب الرجل للرجل حتى يوليه؟ قال: إن علم فيه خيرا للمسلمين أشار بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن من أشار على الإمام بتولية من لا خير في توليته للمسلمين أو من ليس بثقة ولا مأمون فقد غشه وغش المسلمين، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من غشنا فليس منا»، وقال: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وقد أعان على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وبالله التوفيق.

.مسألة ما يدعو به الرجل من أسماء الله:

فيما يدعو به الرجل من أسماء الله وسئل مالك: عن الرجل يقول يا الله يا رحمن يا رحيم، قال: يقول: يا رحمن يا رحيم فيقول بالله، قال: يقول: اللهم أبين، ويدعو بما دعت به الأنبياء.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في جواز الدعاء بـ يا الله ويا رحمن ويا رحيم؛ لأن الله من أسماء الله العظام، وقد قيل فيه: إنه اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، والرحمن اسم من أسمائه المختصة به، والرحيم اسم من أسمائه التي سمى بها نفسه في كتابه، إلا أن الدعاء بـ يا رحمن يا رحيم غير بين، لما ذكرناه من أنهما من أسمائه التي قد أجمعت الأمة على تسميته بها لتسمية الله عز وجهه نفسه بها في كتابه العزيز.
واللهم بمنزلة الله؛ لأن الميم زيدت في اسم الله عوض يا النداء المحذوفة من أوله تعظيما له بذلك، وقد جاء القرآن بذلك، قال الله عز وجل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] الآية، وقال: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114]، وقال: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الأنفال: 32]، وقال: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ} [الزمر: 46]، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وكان من دعائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد...» الحديث. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» الحديث، والسنن في هذا أكثر من أن تحصى، ولذا استحب مالك اللهم في الدعاء، وإنما كره مالك الدعاء بـ يا سيدي ويا حنان وبما أشبه ذلك من الأسماء لاختلاف أهل العلم في جواز تسميته بها، إذ لم ترد في القرآن ولا في السنن المتواترة، ولا أجمعت الأمة على جواز تسميته بها.
وأما الدعاء بـ يا منان فلا كراهية فيه؛ لأنه من أسماء الله القائمة من القرآن، قال الله عز وجل: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]، وقد مضى هذا في رسم الصلاة الثالث من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

فيما يحكى من فضائل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال مالك: كان عمر بن الخطاب لا يفرض لصبي حتى يعظم، فمر من الليل وصبي يبكي، فقال لأمه: أرضعيه، فقالت: لا يفرض له عمر، ففرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في السنة.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في كتاب الزكاة الثاني من المدونة، فزاد فيها: فولى عمر وهو يقول: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله، ففرض للمنفوش من ذلك اليوم مائة درهم. وقوله في هذه الرواية: في السنة- تتميم لما وقع في المدونة، وفي هذا إشفاق عمر بن الخطاب للمسلمين وحنوه عليهم لعلمه أنه مسئول عنهم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم»، وقد قال عمر بن الخطاب إيمانا بهذا الحديث وتصديقا له: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة يوم بدر وفتح مكة كان كل واحد منهما في يوم سبعة عشر من رمضان:

في أن يوم بدر وفتح مكة كان كل واحد منهما في يوم سبعة عشر من رمضان قال مالك: فتحت مكة في سبعة عشر يوما من رمضان، وكان يوم بدر في سبعة عشر يوما من رمضان، كانا جميعا في رمضان.
قال محمد بن رشد: فيما أخبر به مالك من هذا ما يدل على أن المعرفة بسير النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وغزواته وبعوثاته وأحواله إلى حين وفاته من العلم الشريف الذي يحظى به صاحبه ويغبط فيه ويحمد عليه، فكانت بدر وهي أعظم المشاهد وأكثرها فضلا لمن شهدها؛ لأن الله أعز بها الدين ونصر فيها المسلمين، وأمدهم بالملائكة المسومين، وأذل بها المشركين في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هاجر إلى المدينة فقدمها في ربيع الأول يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، فأقام بها إلى أن دخلت السنة الثانية.
ففي السنة الثانية في صدر صفر منها كانت غزوة ودان، ويقال لها غزوة الأبواء، وهي أول غزواته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خرج فوادع بني ضمرة بن عبد مناة، وعقد ذلك معه سيدهم مخشي بن عمرو ثم رجع ولم يلق كيدا.
وفيها بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد إلى سيف البحر من ناحية العيص فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من كفار أهل مكة فحجر بينهم مجدي بن عمرو الجهني وتوادع الفريقان، فلم يكن بينهم قتال.
وفيها بعث عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فنهض حتى بلغ ابني وهي ماء بأسفل ثنية المرة من الحجاز، فلقي بها جمعا من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص كان في ذلك البعث، فرمى فيه بسهم، فكان أول سهم رمى به في سبيل الله، واختلف أهل السير في هذين البعثين أيهما كان قبل صاحبه.
وفيها كانت غزوة بواط، خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة العشيرة، خرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسار حتى بلغ العشيرة فوادع فيها بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بدر الأولى، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلغ سفوان في ناحية بدر، وفاته كرز فرجع إلى المدينة.
وفيها كان بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين، قيل في طلب كرز بن جابر فبلغ الحرار ثم رجع.
وفيها بعث عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين، منهم واقد بن عبد الله التميمي وعتبة بن غزوان، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ولا يكره أحدا من أصحابه، ففعل ما أمره به، فلما فتح الكتاب وجد فيه إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها وتعلم لنا أخبارهم، فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه أنه لا يكره أحدا منهم، وأنه يمضي بمن أطاعه منهم أو وحده إن لم يطعه منهم أحد، وقال: من أحب الشهادة منكم فلينهض معي، ومن كره الموت فليرجع، فقالوا: كلنا نرغب فيما ترغب، وما منا أحد إلا سامع مطيع لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنهضوا حتى نزلوا بنخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة من الشام، فيها عمرو ابن الحضرمي، وعبد الله ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة المخزوميان، وكان ذلك في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فتشاوروا في ذلك، وقالوا: إن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على لقائهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي منهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله، فقدموا بالعير والأسرى، وقال لهم عبد الله بن جحش: اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان أول خمس في الإسلام، ثم نزل القرآن: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 41] الآية، فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش في ذلك ورضياه وسناه للأمة إلى يوم القيامة، فكانت هذه أول غنيمة في الإسلام وأول أسير أسر فيه، وعمر بن الحضرمي أول قتيل قتل فيه، وأنكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتله في الشهر الحرام، فسقط في أيدي القوم، فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] الآيات إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]، فأخبر الله تعالى أن القتال في الشهر الحرام كبير، وأن الكفر بالله والصد عن سبيله وإخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام أكبر عند الله من ذلك، وذلك أن المشركين عيروا أصحاب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ بالقتل في الشهر الحرام، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم عليه من الكفر أشد وأكبر من القتل في الشهر الحرام، ثم أثنى على أصحاب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ} [الأنفال: 72] إلى قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] فدل ذلك على أنه قد غفر لهم.
وقد قيل: إن قتلهم لعمرو بن الحضرمي وقتالهم إنما كان في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حتى دخل رجب، فالله أعلم، وقبل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفداء في الأسيرين، فأما عثمان ابن عبد الله فمات بمكة كافرا وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى استشهد ببئر معونة، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين.
وفيها صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة.
ولما دخل رمضان منها اتصل بالنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أن عيرا لقريش عظيمة فيها أموال لهم كثيرة مقبلة من الشام إلى مكة معها ثلاثة وأربعون رجلا من قريش رئيسهم أبو سفيان بن حرب، فندب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين إلى تلك العير، وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج، ولم يحتفل لأنه أراد العير، ولم يعلم أنه يلقى حربا، فاتصل بأبي سفيان خروج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، فأرسل إلى أهل مكة مستصرخا لهم إلى نصر عيرهم، فخرج أكثر أهل مكة ولم يتخلف من أشرافهم إلا القليل، ولما أتى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ الخبر بخروج نفير قريش لنصر العير، أخبر أصحابه بذلك واستشارهم فيما يعملون، فتكلم كثير من المهاجرين وتمادى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يريد ما يقول الأنصار، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، لو استعرضت هذا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله حيث شئت. فسر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله، وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفين. ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده حتى أتى ماء بدر، فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ قال: لا، إلا أن راكبين أناخا إلى هذا التل واستقيا الماء ونهضا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيرهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع سريعا حذرا، فصرف العير عن طريقها، وأخذ طريق الساحل فنجا، وأوصى إلى قريش يخبرهم بأنه قد نجا هو والعير فارجعوا، فأتى أبو جهل، وقال: والله لا نرجع أو نرد ماء بدر ونقيم عليه ثلاثا فتهابنا العرب أبدا وسبق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشا إلى ماء بدر، ومنع قريشا من السبق إليه مطر أنزله الله عليهم عظيم لم يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهش الوادي، وأعانهم على المسير، ومشى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على موضع الوقعة، فعرض على أصحابه مصارع رءوس الكفار من قريش مصرعا مصرعا، يقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك الذي حده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانت الوقعة ببدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان السنة الثانية من الهجرة.
وفيها كانت غزوة بني سليم، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقم بالمدينة بعد منصرفه عن بدر إلا سبعة أيام، ثم خرج بنفسه يريد بني سليم، فبلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة السويق، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف قبل بدر ندب إلى أن يغزو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريض في طرف المدينة فحرق أصوارا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له وجدهما في حرث لهما، ثم كر راجعا فنفر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون في إثره وبلغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون بذلك، فأخذه المسلمون فسميت غزوة السويق.